القرار ليس قرارك! كيف تفهم صفات الله
وتتجنب فخ "المكتوب عليَّ"؟
عنوان النص: الصفات
الواجبة في حق الله
مُقدمة عقائدية
لقد سبق وعلمنا أن لله صفات واجبة في حقه يجب على
المسلم أن يحيط بها، منها: الوجود، والقدم، والبقاء، وقيامه
بنفسه، ومخالفته للحوادث، والحياة، والعلم، والوحدانية.
في هذا الدرس سنواصل الحديث عن بقية الصفات
الواجبة وهي: الإرادة، والقدرة، والبصر، والسمع،
والكلام.
فهو سبحانه وتعالى مريد وقادر وبصير وسميع ومتكلم.
أولاً: صفة الإرادة (المريد)
١_ معنى صفة الإرادة (نفي الاضطرار)
- المريد
يعني غير المضطر، أي فَعَّال لما يريد لا يضطره أحد لفعل شيء أو ترك شيء.
- الإرادة
تتنافى مع الاضطرار.
- يحدث
الاضطرار للإنسان إما بضغوط من الخارج (أقوى
منك مالًا، أو قوة، أو سلطانًا)، أو بضغوط من الداخل (الجوع،
الظمأ، البرد).
- استحالة
الاضطرار في حق الله:
- لأنه
واحد أحد: لا يوجد
ضاغط من الخارج؛ لأنه واحد لا شريك له (غير
مكرر).
- لأنه أحد: لا
يوجد ضاغط من الداخل؛ لأنه أحد (غير
مركب من عناصر متعددة).
٢_ تعلُّق صفة الإرادة
- تعلُّقها
بالممكن فقط: إرادة
الله لا تتعلق بالمستحيل (مثل بعثة
رسول بعد النبي محمد)، بل تتعلق بالممكن (الخلق،
الإحياء، الإماتة، الرزق، العز، الذل).
- القاعدة
في إرادة الله: كل ما
يفعله الله بإرادته هو خير. {قُلِ
اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ
الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ
الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
- وظيفة
الإرادة: التخصيص (تحديد
زمان ومكان وكيفية الأشياء التي علمها الله مطلقًا)، أي تخصيص علم الله المطلق.
٣_ كيفية التجاوب مع الإرادة (التفريق بين المكتوب)
تتعلق الإرادة بكلمة "كتب"،
ويجب على المؤمن أن يفرق بين نوعين:
- ما كُتِبَ
عليك (الطاعات): هو مطلوب
منك (عليك أن
تسدد الدين)، وهو في مجال الطاعة سواء كانت فعل شيء
أو ترك شيء.
- مثال: {كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} و {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ}.
- تنبيه: لا
يجوز تبرير ترك الطاعة أو فعل المعصية (كشرب
الخمر) بـ
"إرادة الله" أو "مكتوب عليَّ".
- ما كُتِبَ
لك (المصائب والعطايا): هو
لمصلحتك (سواء كان
حلوًا أو مُرًّا)، ويُستقبل بالرضا والصبر؛ لأنه يكفّر
الذنوب أو يستوجب الشكر.
- مثال: {قُل
لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}.
٤_ نموذج تطبيقي (أحوال العبد الأربعة ودواؤها)
ذكر أحد الصالحين أن الإنسان في هذه الحياة لا
يخلو من أربعة أشياء، وكل صورة تحتاج لدواء:
|
الحالة
(اختبار وابتلاء) |
الدواء
(لتفادي الهلاك) |
الحكمة
/ التطبيق |
|
١_ في نعمة |
الشكر |
لئلا
يطغى ({كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ}).
وشكر المال بالزكاة، وشكر الصحة بعبادة الله ومعونة الضعيف. |
|
٢_ في بلاء |
الصبر |
لئلا
يكفر ويسخط. نُردِّد: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. (قصة
الزوجة التي فقدت ولدها واستقبلت زوجها بالصبر فجزيت بولد ملأ الأرض علمًا). |
|
٣_ في معصية |
التوبة
والاستغفار |
لِتُذهِب
ظلمة السيئة (ان الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار). |
|
٤_ في طاعة |
أن
تراها فضلاً من الله |
لئلا
تغتر وتستكبر وتكون أسوأ من إبليس. الطاعة تكشف عِزَّة الله، والمعصية
تكشف ذُل النفس. (قاعدة الشيخ أبو الحسن الشاذلي: رُبَّ مَعْصِيةٍ
أوْرَثَتْ ذُلًّا وانْكِسَارًا، خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ أوْرَثَتْ عِزًّا
وَاسْتِكْبَارًا). |
ثانياً: صفة القدرة (القدير)
١_ معنى صفة القدرة (قدرة مطلقة)
- تعلُّقها
بالممكن والمستحيل: قدرة الله
متعلقة بالممكن والمستحيل. فالله
قادر على المستحيل، لكنه لا يريده؛ لأنه لا يخالف كلامه ووعده (وعده
بختم النبوة).
- التكريم
بالحرية: الله قادر
على جعل الناس أمة واحدة (مطيعين)، ولكنه لا يريد العبادة بـ القهر،
بل بالـ حُب والرغبة؛ تكريمًا للإنسان بمنحه الحرية: {فَمَن
شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}.
٢_ مظاهر صفة القدرة (طرائق الخلق)
يُظهر الله قدرته المطلقة في أربع طرائق للخلق (مما يثبت
أن الله على كل شيء قدير):
- ١_ الطريقة
الترابية: خلق بلا
أب ولا أم (سيدنا آدم).
- ٢_ الطريقة
العضوية: خلق بلا
أم (السيدة حواء
من ضلع آدم).
- ٣_ الطريقة
المائية: خلق بأب
وأم (نحن،
{فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّا خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ}).
- ٤_ الطريقة
الروحية: خلق بلا
أب (سيدنا عيسى).
- مثال
تطبيقي: لا يضغط
القبر على جسد عيسى؛ لأنه خُلق بالطريقة الروحية (لم
ينشأ من نطفة أرضية). وكل ميت
يضغط عليه القبر حتى يختلط لحمه بعظمه. والضغطة
تكون إما ضغطة حُب (للأنبياء
والصالحين) أو ضغطة
بغض (للأعداء).
٣_ كيفية التجاوب مع القدرة (نفي القوة الذاتية)
- القاعدة: "إذا
دعتك قدرتك لظلم الناس، فتذكر قدرة الله".
- للمُلك
والسلطان: تذكر فرعون.
- للثروة
والمال: تذكر قارون.
- للعبادة
والطاعة: تذكر إبليس.
- طريق
القدير: الحصول
على القدرة الربانية يكون بإلغاء "الأنا" والاتكال على الله: "ما
يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به،
وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها".
- قصة سيدنا
إبراهيم عليه السلام: عندما عرض
عليه جبريل المساعدة قبل إلقائه في النار، كان جوابه: "أما
لك فلا، وأما إلى الله، فعلمه بحالي يغني عن سؤالي". فكانت
النتيجة: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}. (ولو
ركن إلى قدرة جبريل، لاحترق).
٤_ الخاتمة (الفرار إلى الله)
- المفر
والهدف النهائي هو الله: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ
نَذِيرٌ مُّبِينٌ}.
- يجب أن
نفر من الأشياء التي تضرنا (كإبليس)، ونفر بـ الأشياء التي تنفعنا (كالنبي
والصالحين)، ويكون الهدف الأول والأخير هو إلى
الله.
عنوان الملخص: كيف تكون مؤمناً حقاً؟ تطبيقات صفتي
الإرادة والقدرة
مفاهيم أساسية
|
الصفة |
معناها |
كيف
تتجاوب معها؟ (التطبيق) |
|
١_ الإرادة |
أن
الله مريد (يفعل ما يريد) غير مضطر (لا يُجبر على شيء)،
لأنه واحد أحد (ليس مركبًا ولا له شريك)، وتتعلق إرادته بالممكن
فقط (كل شيء خير). |
التفريق
بين المكتوب عليك والمكتوب لك: لا تُبرر
معصيتك بـ "مكتوب عليَّ"، واصبر وارضَ بما كتبه الله لك (المصائب
والأرزاق) لمصلحتك. |
|
٢_ القدرة |
أن
الله قدير (قادر على كل شيء)، وتتعلق قدرته بالممكن والمستحيل،
لكنه اختار أن يكرمك بـ الحرية بدلاً من أن تعبده بـ القهر. |
تذكُّر
قدرة الله عند قدرتك: إذا دعتك قوتك لظلم الناس، تذكر
قدرة الله عليك. والغِ "الأنا" لترتقي لدرجة العبد الرباني. |
أهم القصص والأمثلة التعليمية
|
القصة/المثال |
التطبيق
العملي المستفاد |
|
مواجهة
النعم والبلاء |
النعمة
دواؤها الشكر (الشكر الفعلي، مثل الزكاة في المال)، والبلاء دواؤه الصبر ({إِنَّا
لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ})، والطاعة دواؤها أن تراها فضلاً من
الله (لئلا تكون مثل إبليس). |
|
الزوجة
الصالحة والوديعة |
عندما
فقدت ابنها، أخبرت زوجها بأسلوب هادئ: "لقد أخذ الله أمانته". وهذا
مثال على الرضا والصبر الذي عوضها الله بسببه خيرًا كثيرًا. |
|
أنواع
الخلق (قدرة الله) |
أظهر
الله قدرته المطلقة بخلق أربع طرق: بلا أب وأم (آدم)، بلا أم (حواء)، بأب وأم
(نحن)، وبلا أب (عيسى). هذا يُثبت أن {إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ}. |
|
إبراهيم
وجبريل والنار |
عندما
عرض جبريل على إبراهيم المساعدة قبل أن يُلقى في النار، رفضها إبراهيم واتكل على
الله وقال: "أما لك فلا، وأما إلى الله فعلمه بحالي يغني عن سؤالي".
فجعل الله النار {بَرْدًا وَسَلَامًا}. (درس في الإخلاص وترك الاعتماد على
الأسباب). |
